محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
61
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الكمال ، وما يدريه لعلّ ما اعتقده « 1 » فصيحا هو دون ما زيّفه مردودا ؛ ومن تصدّى للانتقاد ؛ فيجب أن يكون له كلام فوق المنقود حتّى يصحّ منه الانتقاد . وأنّ الفصحاء من العرب أخرجوا كلمات القرآن عن جنس كلام البشر ، فتارة وصفوه بالسّحر المبين ، وتارة نسبوه إلى اللّه تعالى ؛ وكذلك الجنّ حين استمعوا قالوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ، فوصفوه من حيث اللفظ بالعجب ، ووصفوه من حيث المعنى بالهداية والرشد جمعا بين العبارة والمعنى في الكمال ؛ ولأنّ الكمال في الصوت أن يكون كلاما مفهوما ، والكمال في الكلام أن يكون بالهداية مشعرا ، أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ؛ فلمّا تعرّى صوت العجل عن الكمالين كان خوارا « 2 » ؛ فمن اعتبر الفصاحة والجزالة والنظم والبلاغة من حيث اللفظ فقد أثبت الكمال الأوّل دون الكمال الثاني ؛ ومن اعتبر الهداية والإرشاد والتنبيه على الحقائق والحكم من حيث المعنى مع الكمال الأوّل ، فقد استوفى حدّ البلاغ والكمال المعجز : قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما . وقلّ ما نجد في القرآن ذكر الشرف والكمال فيه إلّا ويشير إلى الهداية والروح والرحمة والإنذار والتذكير ، قال اللّه تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ ؛ وقال : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ؛ وقال : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ ( 24 ب ) هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ؛ وقال : لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ؛ وقال : وَأَنْذِرْ « 3 » بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ . فكما لا حظنا جانب اللفظ حتّى عرفنا بلاغته فوق سائر البلاغات ، وجب أن نلاحظ جانب المعنى حتّى نعرف هدايته فوق سائر الهدايات . وكما أنّ النبيّ إنّما تميّز عن البشر بأنّه يوحى إليه أن لا إله إلّا اللّه ، وكان نفس دعواه معجزا ، إذ لم ينازعه في تلك الدعوى منازع « 4 » ؛ وإن جحده منكر فالمنكر ليس بمنازع ، كذلك القرآن إنّما تميّز عن « 5 » سائر الكلام بأنّه مشتمل على ذلك التوحيد ونفي الأنداد ؛ فلا يعارضه
--> ( 1 ) . س : انتقده . ( 2 ) . س : جوازا . ( 3 ) . س : وذكر . ( 4 ) . س : منان . ( 5 ) . س : بين .